الشنقيطي
508
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أتلفته البهائم بغير علم مالكها ولو ليلا ضمان فيه ، وأما إذا رعاها صاحبها باختياره في حرث غيره فهو ضامن بالمثل . واعلم أن القائلين بلزوم قيمة ما أفسدته البهائم ليلا يقولون : يضمنه أصحابها ولو زاد على قيمتها . خلافا لليث القائل : لا يضمنون ما زاد على قيمتها . وفي المسألة تفاصيل مذكورة في كتب الفروع . وصيغة الجمع في الضمير في قوله لِحُكْمِهِمْ [ الأنبياء : 78 ] الظاهر أنها مراد بها سليمان وداود وأصحاب الحرث وأصحاب الغنم ، وأضاف الحكم إليهم لأن منهم حاكما ومحكوما له ومحكوما عليه . وقوله : فَفَهَّمْناها [ الأنبياء : 79 ] أي القضية أو الحكومة المفهومة من قوله : إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [ الأنبياء : 78 ] وقوله : وَكُلًّا آتَيْنا [ الأنبياء : 79 ] أي أعطينا كلا من داود وسليمان حكما وعلما . والتنوين في قوله : وَكُلًّا عوض عن كلمة أي كل واحد منهما . قوله تعالى : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) [ 79 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه سخر الجبال أي ذللها ، وسخر الطير تسبح مع داود . وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من تسخيره الطير ، والجبال تسبح مع نبيه داود - بينه في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى : * وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) [ سبأ : 10 ] الآية . وقوله : أَوِّبِي مَعَهُ أي رجعي معه التسبيح . وَالطَّيْرَ أي ونادينا الطير بمثل ذلك من ترجيح التسبيح معه . وقوله من قال أَوِّبِي مَعَهُ : أي سيري معه ، وأن التأويب سير النهار - ساقط كما ترى . وكقوله تعالى : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) [ ص : 17 - 19 ] . والتحقيق : أن تسبيح الجبال والطير مع داود المذكور تسبيح حقيقي ؛ لأن اللّه جل وعلا يجعل لها إدراكات تسبح بها ، يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها ؛ كما قال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] ، وقال تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ البقرة : 74 ] الآية ، وقال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها [ الأحزاب : 72 ] الآية . وقد ثبت في صحيح البخاري : أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع له حنين « 1 » . وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث . إني لأعرفه
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عمر البخاري في المناقب حديث 3583 .